الخميس، 12 مارس 2009

حزب ملك أو ملك أحزاب : سيان



حزب ملك أو ملك أحزاب : سيان
عبد السلام شاوش
عضو اللجنة المركزية
لحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي


مند سنة، استقطبت حركة جمعوية عناية المتتبعين الإعلاميين،كما استحوذ حزب سياسي على اهتمام السياسيين و عدد كبير من الحزبيين.
الداعي لهذا الاهتمام وتلك العناية كون المبادرة لتأسيس الجمعية ثم الحزب هي لكاتب الدولة في الداخلية السابق وهو نفسه أحد مجموعة ال 14 التي تشكلت خلال التسعينات من القرن الماضي ليكونوا رجالات نظام الحكم لما بعد يوليوز 1999، كما كان يخطط له.
من بين ما تميز به الفعل السياسي الرسمي في البلاد منذ تسع سنوات إلى الآن هو التقعيد الجماهيري للحكم، أو محاولة ذلك على الاقل للتميز عن السلف و بأساليب متنوعة من حيث الشكل في المجال الرسمي و الشبه الرسمي :
بدأ كاتب الدولة السابق، ليس بتأسيس حزب ثم ينتقل لصنع امتداداته الجماهيرية بجمعيات و نقابات موازية له، بل بدأ بإطار جماهيري جمعوي لاختبار الأعضاء بواسطة تقارير المخابرات ثم محاولة خلق انسجام ولو نسبي فيما بينهم، ثم خلخلة الأحزاب الدولتية في تطبيق خاص لقانون الأحزاب المعدل أخيرا ليصنع بعد ذلك تركيبا تنظيميا حزبيا.
إنه تجسيد حقيقي للفعل السياسي الملكي، ذلك أن هذا الأخير لم يدشن العهد الجديد بوضع دستور جديد يميز نموذج حكمه، وإنما انطلق منذ اليوم الأول بتقعيد التعاقد البيعوي بدءا بالأحزاب وممثلي المؤسسات، ثم بخطاب محوره الفصلان 19 و 23 من الدستور ثم بدأت الحركة الجماهيريةفي مجالات الاجتماعي و الاقتصادي و الاعلامي و الثقافي مع تأخير مشهود للدبلوماسي و الدستوري.
بالتأكيد ان هناك وصية مميزة حول كيفية التعامل مع المغاربة أفرادا و جماهير ومنظمات كما وقع في قمة لابول الفرنكفونية، أو على الأقل هناك استلهام للتميز عن السلف و ابراز خصوصيات الخلف في مزاولة الحكم فالصمت : حكمة، وكلام غير مباشر،و التواضع استقطاب للقلوب، وتتبع المشاريع طمأنة للعقول و الجيوب و الديناميكية : تحفيز على العمل و احراج للمؤسسات و الأحزاب لكن كما تم في بداية الستينيات بالنسبة للإدارات و الوزارات. ومكالمة الأحزاب : أولى من تهنئة بطل أولمبي ومدونة الأسرة: إنذار بسحب بساط الدين من معتليه سياسيا.
إن هذه الحركية هي التي يرمز إليها كاتب الدولة السابق بالجرار: فسرعته متأنية، و تقليبه للأرض أكيد ودوري، و الأولوية لأغلبية المغاربة التي هي بالبادية قبل الأقلية بالمدن.
فلا غرابة إذن، إن كانت القيادة الحزبية بثلثيها مشكلة من الجنوب و الشمال أو قل من المنطقة الاسبانية خلال الاستعمار.
انه تجاوب ذكي نسبيا مع حادث جزيرة ليلى أو المقدونس الذي احتج وزير على عدم اشعاره به مسبقا في مجلس وزراء وطلب منه الاستقالة إن أراد. ومن الصدفة السياسية أن حزب نفس الوزير احتج إعلاميا ضد الدفع بحزب كاتب الدولة السابق كما انتقدت أحزاب أخرى بنفس الموقف فكان التعجيل بالجواب السياسي المتقن بسقوط مرشحي حزب كاتب الدولة السابق في الانتخابات الجزئية بمراكش رمز مدن الدولة الأكثر حبا وآسفي رمز الاستهلاك، واقتصاد الريع لكن الفوز المظفر محقق لامحالة لاحقا و بالرغم من ذلك فلن يتولى مؤسس الحزب وقبله الجمعية، مسؤولية الوزارة الأولى، إنه لاعب الاحتياط وورقة ضغط على الأحزاب، وحافز على إكراه الولاء و التنافس على إبداءه.
خلال المؤتمر الأخير للحزب كان من الطبيعي إبعاد قادة أحزاب سبق انخراطها فيه لما ترمز إليه كدركيين أو بوليس أو متورطين في قضايا شائنة أو لارتباطهم بالبداوة و العداوة الحزبية للمجتمعين حول كاتب الدولة السابق خاصة أمام الأعضاء الذين أوهموا ذاتهم بيساريتهم فترة ما وحلموا ليلة بأنهم سجنوا يوما ما.
الصحراء الآن كما كانت صحة المغاربة سابقا، هي بيد الله والثغور و الجزر الجعفرية بيد جماهير الشعب الكادح الطلائعية، إذ لا يعقل أن بلادنا التي يمتد ساحلها على أكثر من ألفين كيلومتر و امتدادها البحري أكثر من سبعين ميلا لا تمتلك جزيرة واحدة و إن استغلتها واحتلتها الطبقة الحاكمة وحرمت الجماهير منها من الوفادة و الاستحمام ومغامرة أطفال يبحثون عن المقارنة بين البحيرة و الجزيرة صخرة كانت أو مشجرة ومغروسة ومعشوشبة.
خلافا للخطاب و الموقف السائدين، من حق ملك أن يكون له حزب، فله الرأسمال المالي: أبناك وتأمينات، وله رأسمال ثابت: عقارات وصناعات وشركات. وله رأسمال تجاري داخلي وخارجي و الأسماء الشريفة للمكاتب و الشركات نماذج ذلك وله القوة المسلحة و المدربة وإلا لما كان حامي الحدود و الأمة، إن الحكم طبقي: سياسيا و اقتصاديا و اجتماعيا. و انتقائي: ثقافيا ومدنيا، إنه يتحكم في الملكية و في التبادل ولكل طبيعة ملكية فردية أو جماعية أن يمثلها تنظيم وخطاب سياسيان، لذلك فإن تأسيس حزب سياسي يشخص الفعل الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي وخاصة السياسي هي بطاقة التعريف لنظام حكم سواء قام بتسييره سكريتير أو أمين عام أو رئيس أو رئيس شرفي مع تغييب هذين الأخيرين وراء ستار الفعل التسييري لذات الحزب.
المهم، للشفافية و الوضوح، أن يكون حزب نقرأ من خلاله السياسة الخفية ومواقف الطبقة الحاكمة،أفضل من أن يتم ذلك عن طريق وزراء الداخلية وإطارات موازية، إذ ما تعانيه جماهير الشعب هو أن حزبا جل أعضائه يمتلكون الرأسمال المالي و الصناعي بينما مواقفه تعبر عن كونه حزب اقطاعي أو فلاحي وهناك حزب يرفع شعار الاشتراكية كمطمح للطبقة العاملة غير أن قاعدته في أغلبيتها من البرجوازية المتوسطة التي ارتقت في السلم الاجتماعي بالإدارة و الوزارة.
لذلك فعلى الأقل أن حزبا كهذا واضح، فهو حزب الأقلية النافذة في الاقتصاد المحلي و التجاري الكمبرادوري و السياسة الطبقية. إن الغموض أقوى وسيلة القمع و الاستلاب كما قال الرئيس المهدي بنبركة.
سبق أن اختتمت ملكية نونبر عهدها بحكومة اتحادية، كما افتتحت ملكية يوليوز عهدها بحكومة اتحادية وفق ما اختتمت بها ملكية مارس لتسود فيها بعد وخلال كل حقبة حكومة استقلالية أوتكنوقراطية كان الراجح في ذلك هو تقدير مزاجي سياسي لمن يتولى تنصيب الحكومة.
غير أن ملكية مارس بدأت بدسترة العلاقة فيما بين السلط تنفيذا لوصية السلف آنذاك فجاء الدستور الممنوح لسنة 1962 ومن هنا يفهم التاطير للتأسيس الدستوري لما بعد يوليوز 1999 أليست وصية بذلك لتثبيت الحكم؟ بدءا بالتواصل الجماهيري قبل التأطير الدستوري لنموذج جديد لمزاولة الملك أو الحكم.
فهل تأخير الدسترة وصية ام إرادة ؟
إن الدسترة تشكل إحراجا كبيرا إذ ستكشف عن النوايا و الخبايا وتوجه نظام الحكم.
غير أن هناك حقائق لابد من اعتمادها في الحسبان فمواليد سنة 1996 وهي سنة مراجعة الدستور قد بلغوا لهذه السنة أي 2009 عمر 13 سنة مع اعتبار القوة الاستعابية المعرفية للجيل المتأثر بالمعلوميات أصبح على بينة من تبلور الموقف السياسي لديه و القدرة على الاختيار لطبيعة نظام الحكم و من يتولى تطبيق البرامج المقبولة جماهيريا.
يضاف إلى ذلك أنه ما بين 1996 و 2009 التحق بالسن القانوني السياسي عدد كبير من الشابات و الشباب لم يكن لهم الحق أو الصفة للتعبير عن موقفهم من الدستور الممنوح المستفتى بشأنه سنة 1996 الذي تم تحت ضغط مرحلة انتقالية سياسية ضمانا لتوريث سلطة الحكم.
إن جيل مدغشقر لم يشكل فريقا شابا للمستقبل و إنما اعتمد على عناصر خلفتهم القوة الاستعمارية في الجيش و الأمن و الاقتصاد و الإدارة دون تنظيم سياسي، الذي كان على الحكم بعد الستينات أن يشكل جبهة الدفاع عن الدستور الممنوح في احتشام مكشوف أما الآن وبعد يوليوز انبرت الرؤيا السياسية للطبقة الحاكمة - وهو أمر عادي – إذ بلورت يافطة سياسية طبقية خاصة بعد إلغاء ضمني لمنصب الناطق الرسمي باسم القصر، فتصريح مقتضب قد يكون أقل وقعا على الجماهير من حركة حزبية دائبة ومستقطبة إنها قوة مصنوعة تنازلية فهل من قوة تصاعدية جماهيرية تصدمها؟
في التحليل السياسي الذي تؤطره مرجعية نظرية مناضلة تحتل الشخصانية دورا هامشيا فلا قيمة للشخص إلا بقدر فعالياته الابداعية و الفكرية و البراكسيسية أي الممارسة السليمة للتفاعل بين النظري و العملي، تلك القوة التواضعية من جانبه هي التي تجعل منه نضاليا الزعيم المؤثر.
لذلك هي قليلة الأحزاب السياسية المغربية التي تتوفر على أطروحة تعرض من خلالها المشروع المجتمعي البديل لما هو قائم ولو أن المنظومة الدستورية لا تسمح لأي حزب تحقيق هدفه بواسطة حكومة أو برلمان.
إن الشخصانية المنصوص عليها في الدستور هي نفسها التي ترجح كفة قيمة الشخص على التنظيم أو البرنامج سواء في مختلف الانتخابات أو في تسليم المسؤولية الاستوزارية أو الادارية أو غيرها.
إن المنطق من جهة أخرى لا يقصي النفوذ الأدبي و المعنوي للشخص إذ لولا قوة البصيرة لكانت الأفكار و البرامج مطارحات سياسية و حتى هلامية لذلك نحتفل بقادة مؤثرين جمعوا بين القيمة الذاتية و الوزن الموضوعي أنما كان.
مرة أخرى يؤكد الحزب، موضوع هذه المقالة، على أنه جاء استجابة لجيل جديد لما بعد التسعينات وفق متطلبات عولمة التحديث الذي ليس إلا عولمة نمط الانتاج الرأسمالي العسكرتاري ومقومات المنظمة العالمية للتجارة و التطبيق المفروض لمواصفات دولية في الخدمات و الخوصصة و البنيات التحتية، مرة أخرى يؤسس حزب بمثابة "منتخب" مشكل من لاعبي أحزاب وهيئات أخرى منتقى من جهات وذوي أفكار ومواقف تمحو الاختلاف المرجعي المتناقض فلا يمين ولا يسار، و لا مالك لوسائل الإنتاج و لا محروم منها لا مستغل ولا مستغل لا مستلب و لا مستلب ألا يريد هذا الحزب التعبير عن كونه حزب فوق الطبقات و فوق اختلاف الثقافات و اللهجات و فوق الحاكم و المحكوم ؟
هكذا جمع كاديما من هنا وهناك و استقطب ملتحقين من منبودين من هذا الحزب أو ذاك جمعية أو أخرى جمع متملقين شغوفين في التواصل المباشر بالسلطة بدل توسيط هيآتهم كممثلين للمواطنين وفق ما ورد في الدستور نفسه.
يظهر أن جماهير الشعب الكادح بالمغرب محكوم عليها أن تحكم بالفترات الانتقالية قد تطول وقد تقصر ودون التفاصيل في التاريخ نقتصر على الحديث منه، أول فترة انتقالية عشناها من 1955 إلى 1962 ثم من 1963 إلى 1974، ومع اكراهات تعليمات صندوق النقد الدولي الصادرة للدولة المغربية في 1980 امتدت الفترة الانتقالية إلى سنة 1990 مع إعمال التوثيق الحقوقي الدولي تمددت الفترة إلى 1999خاصة بعد الاعلان الرسمي لخطورات السكتة القلبية التي تهدد البلاد اقتصاديا و اجتماعيا، ولحد الآن أعتقد أننا مرة أخرى نعيش فترة انتقالية قد تدوم إلى ان يكشف عن القوة السياسية الحزبية لحزب وحدة المتناقضات: أصالة أو معاصرة ؟ أي امارة مؤمنين أو دولة على النموذج الأوربي المدسترة
يجب التذكير أن إبن أبي قحافة في متم السنة العاشرة للهجرة رفض تسميته على المسلمين بملك لسببين: لأن القرآن حذر من اسم الملك ثم لكون الملوك و الأباطرة آنذاك كانوا أهدافا للحروب و الغزوات الإسلامية، ولأن لا ملك للملكوت إلا الله.
من هنا يأتي الخليط أو اللبس أو الضعف ولا أقول النظري لحزب كاتب الدولة السابق فهو مهيئ للدفاع عن اطروحة 1961 لصاحبها الفاسي و المتعلقة بامارة المؤمنين مع تكليف بمهمة جديدة هي حصر الحق الديني الاسلامي في يد الرمزية الدولتية وهو في نفس الوقت محرك القضاء على مخلفات الممارسة السابقة عن يوليوز 1999 دون ملاحقة جيوب المقاومة لرجالاتها.
وهو كذلك قوة وسائطية لاستقطاب مهمشي و معارضي ما قبل 1999 باعتماد حركات تمويلية شخصية مباشرة كهيئة الانصاف و المصالحة التي ستبقى وصمة عار في تاريخ كل من ضحى بحريته في سبيل مطامح الشعب في حين وضع الشعب لازال في أبشع وضع، بينما استفاد ذلك المناضل بقبول رشوة تضحيته فأصبح بوقا للحكم ضد الشعب وقواه الصادقة نضاليا التي تقدم مصلحة الجماهير على المنفعة الشخصية لأعضاء التنظيم السياسي مادام هذا الأخير لم يتمكن بعد بلوغ سلطة الحكم لتحقيق أهدافه التي هي أهداف الجماهير.
قياسا على تعميم الفترة السياسية الانتقالية لتنظيم شكل اسلوب الحكم تم ابتداع مفاهيم "العدالة الانتقالية " و " الدمقرطة الانتقالية" و "الانتخابات الانتقالية " و "المشهد الحزبي الانتقالي"، لذلك جاء شعار مؤتمر الحزب "بكل ثقة في مغرب الغد" يكرس "الانتقالية" و "الصبر مفتاح الفرج"، غير أن ما فات مهندسي سياسة الحزب هو منطلقهم الذي اعتمد على "المطلق " "بكل ثقة"؟ أو حركة "كل" الديمقراطيين ؟ و المطلق (بلا تقييد نسبي) إنما ينم عن الإقصاء كوسيلة و الدفاع عن الاستبداد السياسي و الاستبداد الاقتصادي كهدف، وهذا ما ستؤكده المراجعة الدستورية المقبلة لا محالة في غيبة المسطرة الديمقراطية شكلا ومحتوى لإعداد دستور جديد التي تلح على احترامها قوى اليسار المعارضة للحكم و الحكومة.
ثم إن حصر الإصلاحات الدستورية في حدود إعادة هيكلة الجهوية كوحدات ترابية للدولة لترفع لمقام حكومات محلية بدون فعالية كما قال خطاب رسمي منذ الثمانينات بأن التجربة الالمانية بهذا الخصوص جديرة بالتطبيق بالمغرب، فلا تعد باصلاحات دستورية و انما اضافة بنود الدستور الحالي فقط.
فإذا كانت سيادة الشعب مختزلة ومصادرة فهل ستعرف الديمقراطية العامة و الشاملة نفس المصير باختزالها في حل مشكل يهم جزءا من التراب الوطني وساكنته دون غيرهما ؟ وهل ستحصر الإصلاحات المؤسساتية و الدستورية في بضع بنود دون جوهر سلطة الحكم الأصلية كالعادة و هي مصدر السلط الفرعية التي هي مجرد إجرائية؟
إن دستور المغرب يعرقل التطور الطبيعي للعلاقات السياسية و الاجتماعية للإنتاج فأي تحديث في اطاره ؟ و المغاربة أفرادا وتنظيمات يعيشون "رعبا" دستوريا و معاشيا، فأي ثقة في مغرب 2012 أو 2015 حيث لن يجد المغرب ما يبيعه من خدمات أو عقارات أو رأسمال ثابت ؟
وقد يصبح المغربي لا استعداد له للدفاع إلا عن مائة متر مربع إن كان قد استطاع أن يمتلكها لسكن ذويه.
إنها ليست نظرة تشاؤم، فاليسار لا يتشاءم بل يملك تفاؤل الدمقرطة الحقة ولو تحققت في عالم ما بعد الحياة المشهودة الآن، لكن تجارب الشعوب و الأمم إنذار للأوطان و الوطنيين ضد المستوطنين الاقتصاديين و السياسيين.
الرباط 3 مارس 2009


ملاحظة : نشرت المقالة على ثلاثة أجزاء بالجريدة الأولى أعداد 247 و 248 و 249 أيام 09 -10 -11 مارس 2009

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق